شمس الدين السخاوي

67

التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة

تحته فهو له كثيراً كان أو قليلاً ، وإذا أطعم الفقراء لم يدع في بيته قمحاً ولا سمناً ولا عسلاً بل يعمل لهم الجميع ، حتى أنه عمل يوماً للفقراء طعاماً ولم يجد له أداماً غير برنية شراب أهديت له لمرض كان به ، فأمر بصبها وائتدامهم بها ، وظهرت له في الناس كرامات وأخبار بالمغيبات حتى انعطف الناس عليه لعلمه وعمله وكرمه وحسن خلقه ، وكان مع ذلك مهيباً في جماعته بل في الحرم كله . قال لي من أثق به : إنه كان إذا دخل المسجد خضع له كل من فيه كبير وصغير ، ومتى رأى منكراً غيره بلسانه أو بيده ولا يأتيه مظلوم إلا شفع له ، فإن أجيب وإلا عجلت عقوبة الظالم في الوقت ، أخبرني من أثق به : أن الشيخ أبا العلاء إدريس تكلم بكلام وصل إلى الأمير جماز ، فغضب عليه وأمر بإخراجه من المدينة ، وذلك أن شيخ الخدام في وقتهم كان يحسن إليه وإلى سائر المجاورين ويفرق عليهم من السنة إلى السنة قدر كفايتهم وعيالهم ، وكان شيخ الخدام يومئذ يجري في الأوقاف مجرى أهل المدينة في مغارساتهم ومعاملاتهم على جاري العادة في المدينة وأحكام قضاتها ، ولهم عادة في المغاربة غير جائزة بإجماع الأئمة ، والأملاك لا تعمر إلا بها ولا يرغب في خدمتها إلا من يأخذها بذلك ، فبلغ ذلك أبا العلاء المذكور وكان من الورعين الزاهدين ، فلما جاء وقت تفرقة التمر على المجاورين أرسل إليه بنصيبه على العادة ، فتورع ورده ، وجاء الشيخ وقال له : لأي شيء ترد التمر ، وأنت لم تزل تأخذه ؟ فإذا كنت غنياً عنه صرفته على مستحقيه ولا ترده في وجهي ؟ فقال له : أنت خالفت في الأوقاف المعاملة الشرعية وعملت فيها بما لا يجوز وأدخلت علينا الشبهة فيما نتناوله منها ، وهذا لا يجوز لك ولا يحل لنا أن نأخذه منك . فاشتد عليه كلامه وكون ذلك ينقل عنه وكانوا يغارون على عرضهم ودينهم من مثل هذا ودونه وكأنه شكى حاله معه إلى الأمير جماز ، وكان بينه وبين الشرفاء خلة وصحابة أكيدة ، فاغتاظ الأمير وأمر بإخراج أبي العلاء من المدينة . فبلغ ذلك صاحب الترجمة والجماعة ، فعز عليهم وأرسل إليه صاحب الترجمة ليترك له صاحبه ولا يشدد عليه ويرد الأمير عنه فلم يفعل ، فقيل لي : إنه بعث إليه جماعة من أصحابه بعد العشاء فدخلوا عليه بيته فوجدوه مضطجعاً على سريره ، فوقفوا بين يديه كاشفين عن رؤوسهم في الاستغفار فغفل عنهم ، فنام وعليه النوم ، فما استيقظ حتى ذهب جانب من الليل ، فوجدهم قياماً على حالهم ، فعز عليه وقال : اذهبوا حتى يأتيني هو بنفسه أو نحو ذلك . فرجعوا بدون قضاء حاجة وأخبروا صاحب الترجمة ذلك ، فاغتاظ وخرج لصلاة الصبح ، فاجتمع بالقويطي بن أبي النصر مفتي الإمامية وشيخهم وكان يعتقد في صاحب الترجمة ، فحكى له الحكاية ، فجاء إلى شيخ الخدام فكلمه فأنعم له وقبل شفاعته ثم جاء وأعلم صاحب الترجمة بذلك ليكون له عليه بذلك يد ، فلما خرج ، جمع صاحب الترجمة أصحابه وحكى لهم ما جرى من شيخ الخدام في عدم قبول